صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
3628
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
الحالة التي يجب أن يكون عليها الواعظ : قال الرّاغب : حقّ الواعظ أن يتّعظ ثمّ يعظ ، ويبصر ثمّ يبصّر ، ويهتدي ثمّ يهدي ، ولا يكون كدفتر يفيد ولا يستفيد ، ويجب ألا يجرح مقاله بفعاله ، وألّا يكذّب لسانه بحاله ، فيكون ممّن وصفهم اللّه تعالى بقوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا . . إلى قوله وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ( البقرة / 204 ، 205 ) ، ونحو ما قال عليّ بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - : « قصم ظهري رجلان : جاهل متنسّك وعالم متهتّك ، فالجاهل يغرّ النّاس بتنسّكه ، والعالم ينفّرهم بتهتّكه » والواعظ ما لم يكن مع مقاله فعاله لا ينتفع به ، وذلك أنّ عمله يدرك بالبصر ، وعلمه يدرك بالبصيرة ، وأكثر النّاس هم أصحاب الأبصار دون البصائر ، فيجب أن تكون عنايته بإظهار عمله الّذي يدركه جماعتهم أكثر من عنايته بالعلم الّذي لا يدركه سوى أصحاب البصائر منهم . ومنزلة الواعظ من الموعوظ كمنزلة المداوي ، فكما أنّ الطّبيب إذا قال للنّاس : لا تأكلوا هذا ، فإنّه سمّ قاتل . ثمّ رأوه آكلا له عدّ سخرية وهزأ ، كذلك الواعظ إذا أمر بما لا يعمله . وبهذا النّظر قيل يا طبيب طبّب نفسك . بل قد قال تعالى : لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ( الصف / 2 3 ) إلى غير ذلك من الآيات . وأيضا فالواعظ من الموعوظ يجري مجرى الطّبائع بما ليس منتقشا بها ، فكما أنّه محال أن ينطبع الطّين بما ليس منتقشا في الطّابع ، كذلك محال أن يحصل في نفس الموعوظ ما ليس بموجود في نفس الواعظ ، فإذا لم يكن الواعظ إلّا ذا قول مجرّد من الفعل لم يتلقّ عنه الموعوظ إلّا القول دون الفعل ، وأيضا فإنّ الواعظ يجري من النّاس مجرى الظّلّ من ذي الظّلّ ، فكما أنّه محال أن يعوجّ ذو الظّلّ والظّلّ مستقيم ، كذلك من المحال أن يعوجّ الواعظ والموعوظ مستقيم . وكذلك النّار والأرض والهواء . فالواعظ إذا كان غاويا جرّ بغيّه غيره إلى نفسه ، ولهذا حكى اللّه تعالى عن الكفّار قولهم : رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا ( القصص / 63 ) وقال أيضا فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ ( الصافات / 32 ) . فمن ترشّح للوعظ ثمّ فعل فعلا قبيحا اقتدى به غيره فقد جمع بين وزره ووزرهم كما قال تعالى : لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ وقال تعالى : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ ( النحل / 25 ) الآية . وقد قال - عليه السّلام - « من سنّ سنّة سيّئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » بل قد قال اللّه تعالى : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ( الأنعام / 31 ) « 1 » . تفسير الحكمة والموعظة الحسنة : قال ابن القيّم - رحمه اللّه - : « وإنّما ينتفع بالعظة بعد حصول ثلاثة أشياء : شدّة الافتقار إليها
--> ( 1 ) الذريعة إلى مكارم الشريعة ( 254 ، 256 ) .